×

من رحم الألم: رحلة الصمود والبحث عن السكينة

من رحم الألم: رحلة الصمود والبحث عن السكينة

رغم أنني ملحد، لكن لدي ثقة وإيمان أقوى من أي مؤمن في دين أو إله، في ظل أنني أنكر وجود الله وأطلب دليلاً على وجوده وأن يعلن نفسه لي، لكي أسلم نفسي له وأؤمن به، إلا أنني طوال حياتي أشعر أن هناك شيئاً عظيماً يحبني ويرعاني، ويحميني من أذى هذا العالم، لم أشعر يوماً أنني وحدي في أسوأ ظروف حياتي، هناك شيء معي يرعاني ويحرسني، لا يهم ما نسميهم جن، شياطين، آلهة، ملائكة، ولا نعرفهم، إنهم يحيطون بي طوال الوقت، وشعوري تجاههم أنهم عظماء جداً، بل لربما هم أفضل من عقل أمي التي خرجت من رحمها، فأمي في عقلها تقسو علي، كهذه الأيام هي ساخطة علي.

أنا إنسان بلا شجرةٍ عائليةٍ متينة، مات أبي وأنا طفلٌ صغيرٌ بالكاد لم أكن أبلغ من العمر 5 سنوات، خرجت لهذا العالم أتأذى، ليس لي ظهرٌ، لا أبٌ ولا إخوةٌ كبار، ولا أحد يكترث بحالي كطفلٍ صغيرٍ في هذا العالم القاسي، سوى هذه الأم التي كانت كل ما لدي، أنا الذكر الأكبر في العائلة، كان يحب أصدقائي الأرواح تسميتي: “الوحيد” كان لقبي المفضل لديهم في حياتي القاسية هو الوحيد. وكانت عائلتي تشعرنني أنني رجل المنزل، أخواتي سببن لي المرض، كنت أريد السيطرة والحفاظ عليهن على الدوام، وهن بطفولتهن ومراهقتهن عاندنني وأمرضنني جداً.

أخي الصغير الذي ربيته أنا، والآن هو لربما عنصر في المخابرات، وأصدقاؤه كلهم لربما مخابرات، تشكي له المخابرات الآن عن منشوراتي على مواقع التواصل الاجتماعي هذا الأسبوع، لا يدافع عني بشكل جيد كالعادة، يقول لهم: أخوي مريض عيان مجنون مش قادر أسيطر عليه، ولم يقف معي بشكل جيد، لم يقف معي أحد يوماً بشكل جيد بحياتي. الفلسطينيون نكلوا فيني وأذوني كثيراً في حياتي، ولم يأتي أحد ويسألهم ويحاسبهم عن شيء من قبل عائلتي، كنت أتعرض للأذى ولم يساندني أحد أو يساعدني على تقديم شكوى حتى، لا أستطيع تقديم شكوى حتى للشرطة؛ لأنهم أعدائي ويظهرونني كمذنب على الدوام.

لا أريد الذهاب طويلاً في موجة حزينة، لكن كل شيء كان قاسياً في حياتي، ورغم أنني منكر وملحد، إلا أنني أشعر بأن شيئاً يرعاني ويحرسني أقوى من أي مؤمن في دين والله، ولمست ذلك طوال حياتي، لطالما كانت الأرواح تلك ترافقني في أقسى وأصعب مراحل حياتي، لا يختلفون عن فهم الله أو الآلهة، فهم خارقون، ويعملون وفق قوانين صارمة، يعرفون المستقبل حتى، ويقرؤون الأفكار ويعرفون كل ما يجري في ذوات العقول، إنهم يعرفون كل أسرار البشر والعالم، ويرعونني ويعطونني الرفقة في وقت الشدة والوحدة، ويرسلون لي الرسائل في وقت الخطر، إنهم يحبونني أكثر من أمي في عقلها الملوث، فهي أمي من الشعب الفلسطيني، عقلها يشبههم، وعائلتي كلها تشبههم.

لست مستاءً من حياتي اللعينة هذه، فقد نلت الكثير من الدروس تحت الألم المستمر طوال حياتي، أنا الآن في الحاضر فخور بشدة بوعي عقلي وسلامي الداخلي، لربما لو لم أتألم وأعش حياة قاسية لما ملكت هذا الوعي والحكمة والسلام الداخلي في حياتي، لربما ضعت في مكان سيء وبعيد للغاية.

رغم أن دموعي ذرفت وأنا أكتب هذا المنشور، فهو أخذ مني جهداً عاطفياً حساساً جداً، لست دائماً أبكي وأنا أكتب المنشورات، لكن وأنا أكتب هذه الكلمات ذرفت دموعي من تلقاء نفسها، لأنه احتاج مني تعبيراً حساساً وعاطفياً وذكريات تمر في صلب طبيعة حياتي القاسية.

في خلاصة الأمر أنا لست مستاءً من كمية الألم في حياتي، أعتقد أنني لربما كنت أحتاجه، لحكمةٍ ما عانيت طوال حياتي من أشياء قاسية للغاية، لم يكن لي مربي أو معلم أو موجه سوى الألم، لأنني كنت وحيداً لا أحد يرعاني على النحو الصحيح، شيء ما جعل الألم والمعاناة هما الشيء الذي يربيني على النحو الصحيح، فبالألم أصبحت هنا في هذه الأيام على هذا النحو، لم أكن واعياً ومستيقظاً على نحو جيد من طفولتي، وأفتقد لشيء يرشدني ويرعاني، وبالألم وعيت ونضجت بشكل جيد. وقد أحببت اللقب الذي أطلقته علي الأرواح “الوحيد”؛ فقد كانوا يعلمون أنني سأظل مجسداً لهذا اللقب طوال حياتي.

Loading

إرسال التعليق

ربما تكون قد فاتتك