ليلة في بيت لحم: عندما كادت قبعة يهودية أن تكلفني حياتي
قبل سنوات طويلة قبل الحرب، كنت ثملاً من الصباح الباكر في مدينة القدس، وفي منتصف الليل وأنا عائد لمنزلي غير مستيقظٍ نهائياً، أشعر أنني أريد النوم بالشوارع والأزقة. تعرفت على فتاة يهودية متدينة في بداية مساء تلك الليلة قبل العودة للمنزل، وكنا نمرح ونلهو، يهودية متدينة خارجة عن طور دينها وجمعتها، كانت لربما مجنونة، نحتضن بعضنا البعض ونقبل بعضنا ونضحك، ونتحدث لوقت طويل.
في مزحةٍ قلت لها: ألبسيني الكيباه (القبعة اليهودية الدينية)، ألبستني إياها، ونسيتها في طريق العودة للمنزل، لم أشعر بها ولم أتذكر أن هناك قبعة خفيفة على رأسي. حينما دخلت المناطق الفلسطينية، تحديداً مدينة بيت لحم للعودة للمنزل، بدأت أشعر بحركة غريبة في الشوارع نحوي، يحدقون بي، لم أكن أسمع وأشعر جيداً، كنت ثملاً جداً ومشوشاً، لدي ضعف نظر طبي حاد، ومع الثمالة أرى بشكل مشوش جداً أيضاً.
فجأةً تهجم علي عشرات الفتية الفلسطينيين من مخيمات بيت لحم، خفت قليلاً، وقلت: ما بكم؟ ماذا تريدون مني؟ صفعوني على رأسي، ومسكوا القبعة، قالوا لي: ما هذا الذي ترتديه؟ حينها أدركت بفطنة بلحظة، أنني في كارثة خطيرة جداً أمام هؤلاء.
ثم رأيت من بعيد دورية للشرطة والأمن الوطني الفلسطيني، وهرولت إليهم هارباً مسرعاً، صارخاً: أنقذوني، يريدون قتلي، وقامت العناصر الفلسطينية بتطويقي وتجمهرت كميات كبيرة من الفلسطينيين حولي، كل هذا بسببي ولأجلي أنا! يتحدثون ويصرخون، وبالكاد أنا أفهم شيئاً، الأمن في الوقت نفسه عرف هويتي على الفور، وأجروا اتصالات، وسمعتهم يقولون إنني مريض ومجنون. قلت لهم كنت في القدس، ولا أذكر أبداً كيف أتت القبعة على رأسي.
بعد وقت وجيز هدأوا قليلاً، واتفقوا أن أركب تكسي يوصلني لمنزلي بمبلغ باهظ، بدأت أطمئن وأرتاح قليلاً، وأقول لنفسي يبدو أنني نجوت، بعد أن ركبت بالتكسي، في أزمة طريق على بعد أمتار قليلة، وكان التكسي يقود بشكل بطيء جداً، فجأة شعرت بلكمات متتالية على وجهي من النافذة، العديد من الفتية الفلسطينيين يوجهون لي الضربات، وضربوني بآلات حادة على رأسي ووجهي.
بدأت أشعر بالغثيان والدوار وأشعر بالرغبة في القيء، ومن شدة الضربات على رأسي ووجهي، كنت على بعد قليل من فقدان الوعي، لم أعد مهيأً للتفكير والتحرك واستيعاب ما يحدث من حولي والدفاع عن نفسي، كنت ثملاً جداً وتلقيت ضرباً عنيفاً.
بشكلٍ غريب انسحب سائق التاكسي مسرعاً خارج المدينة من طريق التفافية، ثم أتت عائلتي لتقلني، وذهبوا بي للطوارئ، وكانت الدماء تسيل بشكل غزير من رأسي ووجهي، وانتهت هناك الحادثة.
لم أرغب في رفع شكوى، ولا أتذكر وجه أحد من تلك الليلة، ولا أعلم إن كانوا حتى من عناصر المخابرات الفلسطينية بالأصل.
المستوطن اليهودي تنقذه السلطة الفلسطينية إن دخل بشكل خاطئ للأراضي الفلسطينية، ولم تنقذني المخابرات الفلسطينية ولا جهاز الأمن الوطني والشرطة الخاصة في تلك الليلة، وتركوا الفلسطينيين يعتدون علي بهذا الشكل الوحشي.
في واقع الأمر أنا لم أكن أتعمد الدخول في القبعة، وكنت مطلعاً وأعي درجة خطورة ذلك وهمجية هؤلاء الفلسطينيين المتوحشين، لدي معرفة مسبقة بأن هذا فعل خطير جداً وقد يترتب عليه خطورة بالغة، فلم يكن لدي أي نوايا مضطربة أو جنونية للقيام بهذا السلوك، لكن حدث ذلك دون وعي مني وبالصدفة.
أحببت تلك الفتاة اليهودية، وأنا ممتن وسعيد لتلك الأمسية الرائعة معها، وأحببت اللهو معها، ورائحة القبعة ووضعها على رأسي من يديها الرقيقتين الناعمتين، أنقى وأجمل وأطهر وأشرف من كل فلسطيني.
تركوا ندبةً أسفل إحدى عيناي الجميلتين البريئتين، هذه الندبة ستبقى للأبد، وتحتاج عملية تجميلية للبشرة لتزول من وجهي الجميل البريء المشع، أشكر الحماية العليا أنهم لم يصيبوا إحدى عيني بالأذى، فأنا أحب مظهري.
منذ ذلك اليوم، وضعت عهداً على نفسي، أنني سأكون يقظاً ولن أتساهل مع من تسول له نفسه رفع يده النجسة علي، لن أسمح لمريض مضطرب جاهل متعصب غير مدركٍ ولا واعٍ بالتعدي علي بسهولة والنجاة، سأكسر يده ورأسه في المرة القادمة، لا أحد يتجرأ أن يرفع يده علي مجدداً.
فليخجلوا من أنفسهم، يتقوون على إنسان ضعيف بمفرده، ويكونون كالقطط أمام اليهود وجيش الدفاع الإسرائيلي، الذين يهينون كرامتهم بشكل يومي، وهم كالقطط المرتعشة المذلولة مذهولة مرتعبة. هل هذه رجولة أيها الفلسطيني؟
![]()



إرسال التعليق