عقلٌ ليس ملكي وحده: عن الرفقة الخفية وأسرار الوعي المشترك

إنني أتساءل كيف يعيش الشخص الذي يفتقر إلى ذلك الرفيق الداخلي مع عقله. أتذكر أنني مررت بمرحلة دون هذا الرفيق، لكنني لا أملك صورة ذهنية واضحة لتلك الفترة. يبدو أن الجميع لا يفصحون عن رفيقهم الداخلي، وبما أنني لم أتجول داخل عقول الآخرين، فلا يمكنني الجزم بما يجري بداخلها. هناك الكثير من التوضيحات والمشاركات حول ما يدور في عالمي العقلي مع الكثير من الناس، لكن الغالبية تنكر أو تتجنب الخوض في طبيعة هذا الأمر.

ذلك الرفيق المنفصل عن صوت العقل الأساسي، ذلك الصوت الذي يشبه صوت شخص أو أشخاص آخرين في عقلك، أو كصوت الفصام، وحتى خارج عقلك؛ فالعقل لدي ليس فارغًا ووحيدًا، بل هو مُشترك مع رفقاء دخلاء عليه من عالم آخر، عالم في بُعد خفي غير مرئي. لم أحظَ كثيرًا في حياتي بخلوتي التامة مع نفسي، بل عشت سنوات طويلة وعقلي مُشترك مع تلك الكيانات الخفية.

يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا

قد تتسبب طبيعة هذه الشراكة داخل عقلي في الشعور بالاستياء والغضب. أريد لعقلي أن يكون وحيدًا، أريد خصوصية له، أريد أن أفكر بصفاء وهدوء، بعيدًا عن الرفقاء الدخلاء. لكنني لم أنجح في منع حدوث ذلك لسنوات طويلة، وحتى يومنا هذا. لذلك، اعتدت على العيش مع تلك الكيانات، وتقبلتها، وبدأت أركز عقلي في التفكير والتعلم، والعيش بسلام مع ذلك، متجاهلًا كل تلك الأصوات التي تتحدث في عقلي وفي كل مكان.

قد أمتلك تجربة فريدة ومميزة للغاية، بل وسرية، في اكتساب هذا النوع من الرفقة. قلة هم من نالوا ما نلته، ولم أعثر على شخص يشاركني هذه التجربة. قد تكون هذه الرفقة نوعاً من العذاب المفروض على عقلي، لكنها في المقابل تجعلني أرى أموراً لا يدركها الآخرون. فهؤلاء الرفقاء في ذهني ليسوا مجرد نتاج لعقلي، بل هم كيانات روحية مستقلة، قادرة على إثراء عقلي وتدريبه على مهارات قيّمة جداً في الحياة.

سواء كان العقل بعيدًا عن الرفيق، مدركًا أو غير مدرك، فإنه بطبيعته مفصوم وليس كيانًا واحدًا، بل هو مكون من عدة كيانات. جميع العقول تتسم بهذه الطبيعة، بغض النظر عن ما سبق، فالحقيقة تتجاوز الإدراك، وتبقى خارج نطاق المدرك. لا أستطيع تذكر الماضي بوضوح، رغم أن لدي ذاكرة مميزة وفريدة من نوعها، لكنني أتذكر بُعدًا يتجاوز الأبعاد الإدراكية. ربما كانت طبيعة اليقظة في الماضي مختلفة عن هذه اليقظة في أيامنا الحالية.

كأن المحصول في الماضي كان مجرد تسجيل وتدوين، تفكير وتأمل، كطفل صغير في هذا العالم، يحصد ما هو متاح من رؤى. لم أكن في مقام استيضاح هذه الأبعاد. كما في هذه الأيام، هناك درجة من اليقظة والوعي. هناك فصام وحالات عقلية، وهناك أسرار وخفايا، هناك المحدود والمجهول، أي هناك مراتب ومستويات مختلفة. لا أريد أن أسبب الجنون لعقلك، ولكن إذا كان لديك رغبة واهتمام بالانغماس في هذا العالم، فلا بأس.

في الختام، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا العالم يحيط به الغموض تجاه الكثير من المعارف، وهناك معارف عليا مخفية. إن قدرات العقل وقدرة عالم الروح على اختراقه تظل غير مفهومة خارج نطاق التجربة الشخصية، وعالم الروح يحكمه قانون وله حراس. يبقى التساؤل حول الأنسب لطبيعتنا العقلية والروحية البشرية. هناك أمور تتجاوز حدود إدراكنا وقبولنا، وأشياء قد تُفقد النظام البشري استقراره المألوف في العالم الواقعي، مما يجعل كشفها غير مناسب بعد. تخيل لو أن الجميع مطلع على أفكارك؛ فمن شأن ذلك أن يقوض استقرار العالم وطبيعته، مسببًا تفاعلاً جنونيًا، على الرغم من وجود هذه الأمور وتفاعلها مع بعضنا البعض. لا يمكن لأحد استيعاب ذلك؛ فهو يمثل تهديدًا للاستقرار العقلي للشريحة البشرية.

Loading

إذا كنت تحب ما أكتبه وترغب في دعم عملي، فيمكنك المساهمة من خلال النقر هنا

By أبو آرام الحقيقة

أنا أكتب الحقيقة.. بداية من كل شيء نهاية لكل شيء يحدث.. وأكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *