في كل مرة أدخل فيها المصح العقلي، كانت أول فكرة تخطر ببالي منذ استيقاظي في اليوم الأول هي الهروب. كانت هذه الفكرة متجذرة في ذهني طوال الوقت؛ لطالما درست وخططت وبحثت عن نقاط الضعف في محاولاتي للفرار من ذلك المصح اللعين.
لم أكن أقبل إيداعي هناك، والذي كان دائمًا قسريًا من قبل عائلتي أو الشرطة. كنت أتمتع بذكاء فائق في حيل الهروب، وكنت أدرس المرضى بعناية لأختار الرفيق المناسب الذي يساعدني في الخطة، فليس كل المرضى هناك أهلًا للثقة في أمر الهروب؛ فبعضهم يعاني من صدمة نفسية أو يعيش في عوالم أخرى وقد يتسببون في إفساد خطة فرارك.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
إن فترة المكوث هناك لا تستحق عناء المحاولة للهروب؛ فهي شهرية قصيرة وليست سنوات طويلة في السجن. أنا أثق في قدرتي على الهروب من أي مكان عزل، سواء كان مصحًا أو سجنًا، من خلال التخطيط الجيد واكتشاف نقاط الضعف مع مرور الوقت. ومع ذلك، حتى لو كانت فترة المكوث قصيرة ومحددة، ولو كانت شهرًا واحدًا فقط، كان يجب علي التفكير في الهروب.
المتعة التي تنبع من التفكير المستمر في الهروب لا توصف؛ إنه شعور يمزج بين الحماسة وتأثير مهدئ للأعصاب، وهو بمثابة دواء يفرز هرمون الفرح لديك، مما يساعدك على تجاوز الأيام هناك بسهولة أكبر.
لقد نجحت في الهروب مرتين من ذلك المصح، على الرغم من أنني دخلته ما يقارب العشر مرات. في إحدى المرات، وجدت مريضًا هناك في كل مرة أدخل فيها، وكان مصابًا بالعته المرضي، ولكنه كان سهل التأثير، بل ويمكن استغلاله. لذا، حاولت استكشاف رغبته في الهرب وأقنعته بذلك.
في ذلك اليوم، هربت من القسم عبر الباب الرئيسي بصحبة ذلك المريض، وذلك بتطبيق مراقبة دقيقة لحركة الدخول والخروج من الباب، مع التركيز على أفراد الطاقم الطبي الذين كانوا أحيانًا فرد واحد منهم. كان هذا الباب يفتح كهربائيًا من داخل غرفة الطاقم، ويستخدم أحيانًا لإدخال بعض الأغراض.
تمكنا في لحظة خداع لممرض وحيد كان متواجداً آنذاك، عندما دخل عمال النظافة، فاستغللنا الفرصة وسارعنا إلى الباب المفتوح، ونزلنا الدرجات مسرعين، وركضنا عبر حديقة جانبية إلى ساحة المصحة الكبيرة، ووصلنا إلى بوابة جانبية غير البوابة الرئيسية التي يتمركز عندها حارس، وتسلقناها، ثم انطلقنا مسرعين في الشارع مبتعدين قدر الإمكان عن المصحة.
قررت حينها أن أترك المريض، فكنت من مدينة وهو من مدينة أخرى، ووصلت إلى منزلي بطريقة ما. لم أعد إلى هناك أبدًا، واستطعت إقناع عائلتي أيضًا بأنني لن أعود. مرت سنوات طويلة، ولم أرجع قط. غمرني شعور عارم بالفرح لنجاحي في الهرب والتخلص من ذلك المصح اللعين.
في المحاولة التالية، تمكنت من الهروب بمفردي بطريقة مشابهة، لكن هذه المرة كانت في قسم الإدخال عالي الحراسة. نجحت في إحداث خلل في نافذة غرفة الطاقم المطلة على باب الخروج دون أن يلاحظني أحد. وفي يوم لاحق، وجدت أن غرفة الطاقم الطبي كانت خالية، ولم أدرِ أين ذهبوا، واكتشفت أن النافذة لم تكن موصدة، فقفزت إلى غرفتهم وشعوري يغمره الأدرينالين. ثم ضغطت على زر فتح الباب الكهربائي الذي أمامي، وانفتح الباب، فخرجت مسرعًا إلى ساحة المصحة الكبيرة.
لكن في ذلك اليوم، أيقنت أنهم سيلاحقونني ويبحثون عني حتى وصولي إلى البوابة الخارجية للمصحة وصولًا إلى الشارع، وألوذ بالفرار. لذا، تضمن تخطيطي فكرة للاختباء في مكان ما داخل المصحة، ربما في حدائقها الكبيرة تحت إحدى الأشجار، ريثما ينقضي الوقت ويتوقفون عن البحث عني. وبالفعل، أمضيت قرابة الساعتين وأنا مختبئ تحت شجرة.
كنت أسمع أصواتهم الغاضبة وهم يبحثون عني في أرجاء المصح. وعندما خفتت أصواتهم، بدأت أتحرك لاستكشاف المنطقة وطريقي الجانبي نحو البوابة. بعد أن تأكدت من الأمان، تسلّقتُ البوابة الخلفية للمصح بهدوء تام وابتعدت مسافات طويلة في المدينة دون أن يلاحظني أحد. عدت إلى منزلي حيث تقيم زوجتي، ولم أعد إلى ذلك المصح مجدداً لفترة طويلة.
أعتقد أن فكرة الهروب تراود كل إنسان يعيش في حالة عزلة؛ فما من سجين، سواء كان مريضًا أو مجرمًا، إلا ويفكر بالفرار. ورغم أن السجين قد يعاد القبض عليه بعد خروجه ويعود إلى السجن مجددًا، إلا أن هناك دافعًا نفسيًا وعقليًا يجعل الجميع يفكر بالهرب، ولا يتقبلون حرمانهم من الحياة بهذه الطريقة. وقد لا تكون لديهم خطة محكمة للفرار من العدالة، لكن رغبة الإنسان الفطرية في الحرية تدفعه إلى طلبها والمحاولة مهما كان الثمن.
إن هذا العالم يتسم بالظلم، وأولئك الذين يدعون أنهم يحكمون بالعدل والصواب لمصلحة الصالح العام، ويصفون أنفسهم بأنهم حماة له، قد لا تكون دوافعهم أو أفعالهم صحيحة تمامًا. أعتقد أنه ينبغي التركيز على إعادة التأهيل وإلغاء الأحكام بحق أولئك الذين يظهرون استعدادًا مدروسًا للتوبة والرغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية، فلا ينبغي أن يحكم على حياة إنسان بالإلغاء التام بسبب زلة أو جريمة واحدة. فهناك قانون العفو والرحمة للجميع.
العزل قاس للغاية على الإنسان؛ فهو مكان سيئ يدمر النفس والعقل، ويفتك بالجهاز العصبي، ويعد تجربة قاسية عاطفيًا وغير رحيمة، حيث يحرم المرء من حياته لفترات طويلة. لعل هذا الإجراء ضرورة للسيطرة على الأفراد وضمان الأمن العام للمجتمعات، ليكون العزل والسجن الفكرة المرعبة الأولى التي تردع أي شخص تسول له نفسه بارتكاب خطأ في التفكير في العواقب.
على أي حال، لو أعدت إلى المصح العقلي، أو زج بي في السجن، فلن أتردد أبداً في محاولة الهرب مجدداً. وأنا أساند كل سجين يلوذ بالفرار وأشعر بالسعادة تجاههم، وأحب أن أراهم يهربون من هذا الظلم القاسي. بالتأكيد سأهرب وأستمتع بتلك المشاعر النفسية المبهجة والمريحة، وسأبدأ بالتخطيط للهروب، ويجب أن أنجح! كما أنني لا أرغب في العودة إلى أي من تلك الأماكن مرة أخرى في حياتي.
![]()

