أتذكر في هذه الأيام محاولة انتحاري التي وقعت قبل عدة سنوات، وكانت تلك هي محاولتي الأولى، رغم أن أفكار الانتحار كانت تراودني في أوقات كثيرة من حياتي. ومع ذلك، لم أقدم على الانتحار فعليًا إلا في تلك المرة الوحيدة.
في ذلك اليوم الذي حاولت فيه الانتحار، كنت قد انقطعت عن تناول أدويتي النفسية لفترة. كنت أعاني حينها من فصام مزمن، وكانت حالتي العقلية متدهورة للغاية؛ إذ كانت هناك أصوات كثيرة تهمس لي من حولي وفي داخلي. كنت أعيش في عالم منفصل عن الواقع، وتغمرني مشاعر كآبة شديدة، وكانت أعراض الفصام المتقدمة في أوجها آنذاك.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
في تلك الأيام، كانت ابنتي أنجي طفلتي الوحيدة، لا تتجاوز الثانية من عمرها. كانت هيا وأمها نائمتين بعد منتصف الليل، بينما كنتُ أنا مستيقظًا أجلس وحيدًا، أفكر وأعاني. بعد أيام من التفكير، خطرت لي فكرة الانتحار في تلك الليلة.
لم أجد طريقة للانتحار سوى بالسم أو الدواء؛ فليس لدي الشجاعة للجوء إلى وسيلة بشعة أخرى، كما أنني لا أمتلك سلاحًا لأضع رصاصة في رأسي في تلك الليلة البائسة. جمعت كل ما هو متوفر من أدوية في المنزل، وبدأت لاشعوريا بتناول حبة تلو الأخرى، شملت أدوية نفسية ومنشطات ومسكنات وخافضات حرارة. أعتقد أنني تجاوزت الجرعات المقررة بشكل كبير جدًا حينها.
بعد الانتهاء من تناول الأدوية، جلست على الأريكة وبدأت أشعر بالخوف الشديد، وكأنني على وشك أن أفقد وعيي أو أموت. شعرت بصدمة مما تناولته، وفجأة، بدأت أصوات البكاء والعتاب تتردد في رأسي ومن حولي، وكأنها تلومني على فعلي هذا. كانت زوجتي وابنتي لا تزالان نائمتين. بعد مرور بعض الوقت، بدأ الغثيان يسيطر علي وتقيأت، وأصابتني حالة إسهال شديد، وبدأت أشعر أنني انتقلت إلى عالم آخر. كان إدراكي مشوشًا؛ حتى أنني شعرت وكأن أنفاسي تتحول إلى ممر واسع وضخم.
عندما استيقظت زوجتي وأخبرتها بإقدامي على الانتحار، انفعلت وبدأت تبكي في حالة صدمة، وأرادت الاتصال بالطوارئ لنقلي إلى المستشفى، لكنني رفضت وقلت لها إن شيئًا لم يحدث. في الواقع، مرت ساعات من الغثيان والتقيؤ والإسهال الشديد، ولم أفقد وعيي. ولحسن حظي، فشلت محاولة الانتحار، وبقيت على قيد الحياة دون أن تترتب علي أية مشاكل صحية.
أشعر بأسف عميق لما فعلته تلك الليلة، ويحزنني أنني وصلت إلى هذه المرحلة في حياتي. في الحقيقة، لم يكن الانتحار رغبة حقيقية مني، بل كان نتيجة لشدة سوء حالتي وغياب وعيي الطبيعي. لقد أقدمت على هذا الفعل وأنا أعاني من فصام واكتئاب حادين. وبعد تلك المحاولة، لاحقني شبح الموت لفترة؛ إذ بدأت أصوات من عالم آخر تتسلل إلى عقلي، تعاتبني وتحاسبني على خطئي الجسيم في حق نفسي. إنني نادم حقًا، ويا للأسف، لا أريد أن أحاول الانتحار مرة أخرى!
من المؤسف أنني أتوقف عن تناول أدويتي في بعض مراحل حياتي؛ فالتوقف سيعيد المرض ليجذبني إلى هوة مظلمة، وسيئة للغاية، وخطيرة على صحتي العقلية والنفسية. حاليًا، بعد نحو شهر ونصف من تناول أدويتي بانتظام، أدركت أن لدي مفاهيم مغلوطة حول الدواء، إذ أشعر أنني بحال أفضل بكثير عندما أكون مع الدواء.
عندما أتوقف عن تناول الدواء، تسوء حالتي بشكل كبير جدًا؛ إذ يعاني عقلي ونفسي من عذاب مستمر. يصبح عقلي متوعكًا ومنهكًا بشدة، وتتدهور حالتي النفسية والمزاجية. تصبح قدراتي على استخدام وظائفي العقلية السليمة، والنظر إلى الواقع بوعي، ناقصة. لذلك، من الإجحاف أن أترك عقلي ونفسي دون علاج. علاوة على ذلك، إذا تركت الدواء لفترة طويلة، قد أقدم دون وعي على إيذاء نفسي بالانتحار، أو قد أؤذي نفسي بطرق أخرى، وربما ألحق الأذى بمن حولي.
من المؤسف أن أترك عقلي ينجرف مع المرض. الدواء ليس سيئًا بالنسبة لشخص مثلي يعاني من حالة عقلية مزمنة بدونه. أشعر حاليًا أن عقلي في حالة أفضل، وبدأت أعود إلى الواقع والعمل؛ إذ يعمل عقلي بشكل طبيعي، بل وأفضل من السابق. أستطيع التفكير بوضوح، وتنظيم أموري بمنطق وذكاء أكبر. كما أن الخوف والوساوس ومشاعري القلقة خفت حدتها معي، ومزاجي العام جيد، بالكاد أشعر بالكآبة المزعجة جدًا. هذا يوضح أن حالتي العقلية تسوء وتفقد كل هذه الجوانب الإيجابية عند تركي للدواء.
أود أن أقول لمن يستاؤون من تناول الدواء وهم بحاجة إليه إنهم واهمون، وقد تكون أفكارهم مغلوطة حول الأدوية، وليست كل الأدوية نافعة. حتى أولئك الذين يعانون من الاكتئاب وحده يحتاجون للدواء، فالاكتئاب أمر قاسٍ ومؤلم جداً لروحهم وعقولهم. فما بالك بحال من يعانون من حالة عقلية مزمنة مثلي، كالفصام الحاد، حيث يستحيل العيش دون علاج.
قد لا يكون الدواء علاجًا سحريًا، لكنه يساهم بنسبة كبيرة في شفائك، مما يمكنك من إكمال رحلة تعافيك بفاعلية أكبر إذا كنت تطمح لشفاء تام. الأهم هو أن هذا الدواء يجنبك المعاناة من آلام وأعراض نفسية وعقلية سيئة وخطيرة قد تصل بك إلى الانتحار أو فقدان حياتك دون وعي منك، وهو ما لا تريده في الواقع. تذكر أن حالتك بعد التوقف عن الدواء ستكون أسوأ بكثير، ولا تظن أنك ستكون في وضع أفضل بدونه؛ فالدواء ليس بهذا السوء. أدويتي الثلاثة فعالة، وبفضلها يتمتع عقلي بنعمة كبيرة.
![]()

