بين شاشة التلفاز وظلال الذهان: حكايتي مع المذيعة التي نادتني.. ومذكرات “شبح” على الطريق السريع

في إحدى فترات مرضي، وخلال انقطاعي عن تناول أدويتي لعدة أسابيع، كنت أعيش وحدي في المنزل. كنت أنام لأيام متواصلة، وغارقًا في نوبات من الهوس، المصحوبة بهلوسات وهذيان وانفعالات هستيرية مليئة بالجنون، الطاقة، الضحك، والخيالات؛ لقد كنت في حالة يرثى لها. وفي إحدى الليالي، وأنا أشاهد التلفاز على قناة خليجية، كان هناك برنامج تقدمه مذيعة جميلة.

بدأت المذيعة تناديني باسمي ‘محمد’، فسألتها بدهشة: ‘من أنا؟’. أجابت مؤكدة، وبدأت تغازلني وتسألني ماذا أفعل وحدي. صدمت حينها؛ كيف استطاعت هذه المرأة الاتصال بي؟ فجهازي لم يكن متصلاً بالإنترنت إطلاقاً.

يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا


هذا الموقف ليس خيالاً أو وهماً، بل حدث لي بالفعل، ولا يزال جهاز التلفاز نفسه موجوداً معي حتى الآن. أشعر أن هناك من يتنصت علي من خلال هذا التلفاز، بل وأحياناً يراقبني أحد.


كيف لهذه القناة الخليجية البعيدة أن تتصل بي وأنا في وطني؟ من سمح لهم بذلك؟ أحياناً أتعرى أمام التلفاز وأمارس الجنس؛ هل يروننا اللعنة؟! ربما هناك تنسيق استخباراتي كبير بين الدول أصلاً، أو ربما تكون مخابرات بلادي نفسها هي من شبكتني معهم.

قد أبدو مجنوناً وأنا أتحدث عن هذا الأمر الذي يصعب تصديقه، لكنه وقع بالفعل. هل من المحتمل أن ما حدث كان وهماً؟ وأن حالتي الذهانية المصاحبة للفصام الحاد في ذلك الوقت قد شوشت إدراكي وجعلتني أصدق ذلك؟ لكنني أتذكر هذا الحادث بوضوح تام، وكأنه حقيقة لا تقبل الشك.

شيء آخر، عندما أُمعن النظر في بعض المذيعين، أشعر أيضًا أنهم ينظرون إلي. حتى أنه ذات مرة قلت لمذيعة: “هل تريدين رؤية عضوي الذكري؟” فأخرجته لها أمام الشاشة، فأنزلت رأسها لتدقق النظر فيه، ثم ابتسمت!

في إحدى نوبات الفصام، كنت أتحدث مع التلفاز! والأسوأ من ذلك، بدأت أتخاطر مع محطات البث التلفزيونية والإذاعية. وأحيانًا، كنت أفصم لدرجة سماع أصواتهم تتحدث معي من بعيد وأنا في غرفة أخرى، حيث تتحول أصواتهم إلى أحاديث حقيقية تخصني في ظل أرتفاع الصوت.

من الأمور الأخرى التي أود ذكرها خلال فترة الفصام الحاد تلك هي أنني تمكنت من استعارة سيارة العائلة للتجول بها وقيادتها على الطرق السريعة بين المدن. شعرت حينها بحالة من النشوة العارمة، وتوهمت أنني شبح يقود مركبة، لا إنسان حقيقي؛ لم أكن موجودًا في الواقع كما هو، وشعرت أنني أقل معي بعض الأشباح.

انتهت تلك الليلة بإيقاف من قبل حاجز للشرطة، حيث وجهوا أسلحتهم نحوي. شعرت بالخوف، خاصة وأن سيارتي كانت مليئة بزجاجات الخمر. هربت منهم مسرعًا، لكنني اصطدمت بسيارة أخرى، مما أدى إلى رفع دعوى قضائية ضدي. تبع ذلك صلح عائلي بين عائلتي وعائلة سائق السيارة التي اصطدمت بي. خلال تلك الفترة، هربت إلى إسرائيل لمدة شهرين ولم أحضر المحكمة على الإطلاق. ورفضت العودة إلى الأراضي الفلسطينية حتى تأكدت من أنهم لن يودعوني في السجن.

لقد منعت من القيادة لسنوات عديدة بعد ذلك الحادث. أما الآن، فأنا أقود وأنا بحالة صحية جيدة، ولم أعد أتناول الكحول إطلاقًا أثناء القيادة. أستعيرها الآن فقط عندما أكون متيقظًا وبصحة نفسية وعقلية جيدة.

ما كان يهم حقًا هو الشعور بالاغتراب وشعور كأنك شبح ولست إنسان أثناء القيادة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى عدم استيعاب الواقع والأشياء المحيطة بشكل طبيعي. كنت أعيش في عالم آخر، وإدراكي حينها لم يكن كإنسان طبيعي، بل أشبه بشخص تحت تأثير المخدرات باستمرار. أما بالنسبة لجاهز التلفاز، فهل من الممكن أن تكون تحوي فعليًا تقنيات تجسسية دون علمنا؟

Loading

إذا كنت تحب ما أكتبه وترغب في دعم عملي، فيمكنك المساهمة من خلال النقر هنا

By أبو آرام الحقيقة

أنا أكتب الحقيقة.. بداية من كل شيء نهاية لكل شيء يحدث.. وأكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *