منذ طفولتي، ظل عقلي مفتونًا بالأفلام الأجنبية. لم أكن أتعامل مع بعض هذه الأفلام كمجرد خيال، بل كنت أستوعب أفكارها وأدرسها بجدية، متناولاً إياها وكأنها أفلام وثائقية. في مرحلة ما من حياتي، استهوتني أفلام الإثارة والجريمة، لكنني توقفت عن حبها بسبب ما كنت أحمله من نزعة انتقامية داخلية، حيث كنت أبحث عن أفلام العنف والجريمة تحديدًا، ريثما بدأتُ بالبحث عن أفلام الرعب، والأشباح، والتاريخية، والغموض، والخيال العلمي.
كنت أشعر أن معظم الأفلام تمثل مجالًا للتعليم واكتساب المعرفة والرموز الخفية، وأنها تعبر في غالبيتها عن الحقيقة التي يعيشها البشر. كان بإمكاني استقاء معلومات منها لأدقق في هذا العالم من هذا المنظور، وقد كانت تستهويني جدًا. في بعض مراحل الفصام، كنت أشاهد هلوسات مليئة في عقلي من نسيج هذه الأفلام.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
كنت أعاني من نوع من الفصام يتجلى في تبني معتقدات غير مدعومة بأدلة؛ فقد ترسخت لدي أفكار غريبة تفتقر إلى منهج معرفي دقيق. كان يتشكل في ذهني نظام معرفي غريب سيطرت عليه الجوانب السحرية والخوارق والماورائيات بشكل كبير. كنت أتوهم أنني شخص مقدس وعظيم، وأنني أمارس السحر وأمتلك قدرات تركيز خارقة، وأنني متصل بعالم خفي وسحري للغاية.
كان لدي هواية في البحث عن الرموز ومعالجة العمليات المنطقية بطريقة رمزية غامضة. كنت دائمًا أُصطنع ترابطًا غريبًا من خلال تكرار الأشياء وعدها. شعرت، بما أنني ولدت في عام 1993، أن هناك ترابطًا بين أحداث العالم ومجيئي إلى هذا العالم في ذلك العام.
تصرفت وكأنني المسيح، فكلما ناديت أبي – ذلك الذي كنت أدعوه أبي في هلوساتي – شعرت بروح عظيمة تحيط بي. في خضم اختلال أفكاري، كنت أدعوه كثيرًا «أبي»، أو شيء مقدس وجليل وعظيم يملأ عقلي وروحي، شعرت أنه يساندني ويحبني ويقدم لي العون والمساعدة. أدركت أن الأرواح أو الأصوات التي تخاطبني في غموضها وعدم فهمها كانت بمثابة روح الله على الأرض تتحدث إلي.
تلك الأنوار التي كانت تلاحقني، وتلك العين الكبيرة التي ظهرت لي مرارًا، والشبح الذي كان يرتدي قبعة رجل أمريكي منذ قرنين، والذي بدا طويل القامة وشبحًا أسود؛ إن ظهور هذه الأمور لي كان بداية مسيرتي في العالم الروحي والتجارب الخارقة، وبداية انجرافي الفكري نحو هذه العوالم والأشياء.
في بداية حياتي، تملكتني خيالات عديدة، غالبها يحمل رمزيات ودلالات وتصورات متباينة. كما شعرت بأن هذه ليست تجربتي الأولى على الأرض؛ لدي دافع وحدس قويان في قلبي تجاه تناسخ الأرواح. حينما أتأمل هذا الأمر، يزداد خفقان قلبي، وكأن صوتًا داخليًا يؤكد لي صحة هذا الاعتقاد. هذا الإحساس مستمر معي منذ سنوات خلت حتى يومنا هذا، وكأن روحًا قديمة تسكن جسدي. مع العلم أن هناك روحًا تتحرك في جسدي منذ سنوات قديمة إلى يومنا هذا.
لا أعلم ما إذا كانت تلك الروح موجودة بالفعل في جسدي، أو من أين ترسل إشاراتها تحديدًا، لكن لديها القدرة على إثارة انفعالات في جهازي العصبي، وهي انفعالات قد تحرك أصابع يدي لاإراديًا إن أرادت ذلك.
تتحكم هذه الكيانات أيضًا في الرياح المحيطة، أو تحمل معها كتلًا هوائية محسوسة، كما أن الشعور باقترابها من جسدك يشبه إحساس عنكبوت ينسج خيوطه على جلدك. أحيانًا تصطحب معها موجات طنين صوتية؛ فمن الشائع جدًا أن تصطحب هذه الموجات عند كل اقتراب لها مني. ومع ذلك، لديهم طرق أخرى لا تظهر فيها هذه المؤثرات.
لا يمكن أن نحكم على هذه الروح بأنها روح شريرة شيطانية معادية للإنسان، أو روح بشرية عائمة في الأصل في عالم الروح، ففي ظل قدرات هذه الكيانات الفائقة، هي تملك حكمة عظيمة لاستخدام قدراتها، مشابهة لحكمة إله قادر وعالم في كل شيء. على سبيل المثال: البشر في قوانينهم وقدراتهم، قابلون للسقوط واستخدامها بشكل مسيء لهم وللعالم، وتعتبر تهديدًا مستمرًا للعالم بأكمله.
تلك الكيانات الروحية، بثباتها وقدراتها الفائقة، تعمل بتوازن ودون إيذاء أحد. ورغم ذلك، فإن قدراتها تتيح لها إمكانية الإخلال بالنظام العام للبشرية، فهي قادرة على كشف كل الأسرار؛ إذ تعلم كل ما يجري في عالم البشر، وتقرأ الأفكار والعقول، وتتجول في أرجاء العالم بخفاء وصمت، وتتواصل مع من تشاء من البشر بما تمليه عليها حكمتها العظيمة.
أراهن أنها قادرة على قتلي أيضًا في عالمي المادي، وحدود وصولها إلى هذا العالم ليست بالقليلة؛ إذ يبدو أن لديها سلطاناً كبيراً فيه. فهي تطرق الأشياء المادية، وتلامس جسدي، وترسل إشارات إلى جهازي العصبي، وتؤثر بوجودها على الرياح والموجات الصوتية، وتقرأ أفكار عقلي وتتحدث معي، وتظهر بأشكال أطياف وأنوار صغيرة، وتتلاعب بخيالات وهلوسات العقل والعين الثالثة عبر موجات دماغية معينة. بكل تأكيد، يمتد سلطانها في العالم المادي أبعد من ذلك، لكنها عادةً لا تظهره.
لنفترض أنني أعاني من الفصام، أو ربما أعاني من اضطرابات نفسية وعقلية مختلفة. لو صحّ ذلك، فهل ينفي هذا ما أشعر به وأرويه وأدركه على أنه جزء مؤكد من مرضي؟ وليس جزءًا من حقيقة وجودية قائمة بذاتها، فهذا بالتأكيد غير صحيح. فبصرف النظر عن التشخيصات النفسية المحتملة، فإن هذا لا يلغي عقلي السليم القادر على التمييز بين الحقيقة والوهم، والفصل بين الأعراض المرضية والحقائق الواقعية القابلة للتجربة والملاحظة.
ليست كل الأمور في هذا العالم تعزى إلى المرض أو مجرد الخيال؛ فهذه ظواهر حقيقية تقع في عالمنا. إن عدم قدرة العلم على تأكيد وجودها لا ينفي احتمالية حدوثها، ولا يعني بالضرورة أنها تتشابك دائمًا مع أساس المرض. لعلها ظواهر خفية جدًا تكمن في زوايا معرفية غامضة لدى البشرية.
تلك الكيانات لها دور مهم في هذا العالم، والإنسان المريض ليس استثناءً من هذا الدور أيضًا. لذا، فإن كل ما يقوله المريض النفسي والعقلي قد يؤخذ على محمل الجد، فقد يكون يعبر عن الكثير من الحقائق المخفية.
في كل الأحوال، ما يمكنني تقديمه هو حقيقة تجربة وملاحظة أولية في ظل تجربة شخصية، وليس صورة مطلقة لما يحدث أو سيحدث، أو ما تريده تلك الكيانات من وجودها في حياتي أو في حياة أي إنسان آخر، وما هو هدفها للبشرية، وما الذي تود إنجازه، وما طبيعة عملها الأوسع في هذا الكون، وما الذي يمكنها أن تكشفه لنا بخصوص الأسئلة الجوهرية لوجودنا ووجود هذا العالم. وأسباب إخفائها لنفسها عن الجميع، وبقائها غامضة وسرية، واقتصار وجودها على تجربة شخصية لإنسان بعينه دون أن تكون قابلة للدراسة والإثبات، كل هذه الأمور تظل مجهولة وغير واضحة بالنسبة لي. يبدو أنها في الوقت الراهن تريد أن تكون هكذا. أما بالنسبة لتلك الشخصية التي وجدت نفسي عليها حتى في طفولتي وقبل مرحلة وعيي الكامل، فأنا لا أشعر أنها تشكلت من فراغ، بل لا بد أن هناك سبباً وراء هذا التكوين.
![]()

