طوال حياتي، تنقلت من منزل لآخر، فلم أستقر في منزل والدي المتوفى سوى خلال السنوات الثماني الأولى من طفولتي. تلتها منازل أخرى عديدة، كانت غالبيتها منازل مستأجرة اضطررنا لمغادرتها بسبب المشاكل. لقد كانت لعنة الترحال تطاردني منذ بداية حياتي، حيث كانت المشاكل تتوالى وتجبرني أنا وعائلتي على الانتقال والترحال مرارًا وتكرارًا.
كانت أولى المشاكل التي أجبرتني على مغادرة منزل الطفولة هي الصعوبات مع أبناء عمومتي. كان عمي وزوجته وأبناؤه قاسين علينا، وكانت زوجته شريرة بشكل خاص. بعد مرور سنوات عديدة، هي الآن على قيد الحياة تعيش بجوار منزل طفولتي القديم ذاته، وأنا الآن متزوج ولدي ثلاثة أطفال.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
ابن عمي المختل، يبدو أنه كان يعاني من اضطراب نفسي أو لربما عقلي، طعن والدتي بالسكين في يدها، أمام عيني، وأنا كنت طفلاً لم يتجاوز الثامنة من عمره بعد. سبب لي ذلك الحدث الكثير من الرعب والصدمة في وعي طفل بريء في هذا العالم، وأعتقد أنه كان أول تهيئة لأن أصبح مريضًا، فتلك الصدمة أدخلتني في نوع من الصدمة مسيرًا لنوع من الفصام.
عقب تلك الصدمة، بدأ تأنيب الضمير ينهشني لعدم دفاعي الجيد عن والدتي الغالية. لم أكن أدرك أنني مجرد طفل، بل كنت أعي أنني في بداية انطلاقي في هذا العالم، وأنه كان يتوجب علي تقديم شيء أكبر لحمايتها. لم أستوعب وقتها أنني كنت الضحية، بل شعرت بضرورة أن أكون شيئًا آخر لأتمكن من الدفاع عنها.
في السنوات اللاحقة، ومع تقدم الوعي لدي وخروجي من قوقعة الفصام المبدئية، تصالحت مع نفسي، وفهمت وتأنست مع ضميري وشعوري بالتقصير للدفاع عن والدتي، وأنني كنت مجرد طفل صغير، وأن هذا الخوف ورد الفعل شيء طبيعي بالنسبة لطفل، وأنني لم أكن أملك الوعي والقدرة اللازمتين للدفاع عن والدتي في ذلك الوقت بالشكل المطلوب.
غمرني تأنيب الضمير، وشعرت بمسؤولية كبيرة، وكأنني رجل قوي كان يتوجب عليه الدفاع عن والدته ومنع وقوع ذلك الحدث المؤلم. في تلك الأثناء، اجتاحتني أفكار انتقامية، وكنت أستعد وأتدرب للانتقام. كان لدي شعور مرضي مرتبط بالخوف والخطر المحتمل، حتى أنني كنت أحمل سكينًا معي في كل خروج لي خلال بداية سنوات مراهقتي.
في عدة أحداث في شجار الشوارع مع الأولاد من جيلي، رفعت السكين مهددًا ومتقدمًا للدفاع عن نفسي، من تنمر الأولاد الآخرين علي في الشارع. بل في يوم من الأيام في ظل واقع وطني، تعرضت لدورية من جيش الدفاع الإسرائيلي وأنا أحمل تلك السكين، وسقطت السكين مني وأنا في مركبة عمومية، ولم أعترف أن السكين لي، جرى تحقيق معي ومع جميع الركاب أين ذاك.
غادر الجيش المكان بهدوء، تاركًا الركاب وشأني، وكأنهم أدركوا في تلك اللحظة عدم وجود أي دليل على نية عدائية تجاههم. احتفظوا بالسكين التي تحمل بصماتي، وكان بإمكانهم تحديد صاحبها. لكنهم لم يجدوا أي إشارة تدل على عدائية مني أو من الركاب، فسمحوا لنا بالمغادرة بسلام ومواصلة طريقنا دون وقوع أي أحداث أخرى.
أيضًا حدث لي بعد ذلك الحدث الذي طعن فيه ابن عمي والدتي، نوع من الوسواس القهري الذي استند لدواعي تأمينية وتنظيمية في بداية مراهقتي، امتد أثر الصدمة إلى مشاعري ووعيي، لدرجة أنه جعلني مصابًا بأفكار قهرية تتعلق بالتأمين والخوف وعدم الشعور بالأمان ونوع من القلق تجاه الأشياء التي تتعلق بكل شيء خطير أو الأدوات الحادة، وعلى وجه الخصوص السكين وتنظيم أغراض المطبخ. تكونت لدي أعراض الوسواس القهري من هذا الجانب، والذي تطور معرفيًا ليشمل العديد من الأشياء الأخرى.
من اللافت للنظر أنني، حتى بعد تجاوز صدمة عميقة في سنوات عمري المتقدمة، وخلال فترات ضعفي ومرضي، ما زلت أُطرد من المنازل، أو أُغادرها بسبب تصرفات سلبية أرتكبها. يبدو الأمر وكأن سقوطي في القاع وضياعي يتبعهما ذات اللعنة القديمة، حيث يبدأ عقلي الباطن بالعمل وفقاً لنمط حياتي الأصلي. حتى وأنا متزوج ولدي أطفال، تعرضت للطرد من بعض المنازل ثلاث مرات، رغم وعيي الكامل بما حدث ويحدث، إلا أنني حينما أهوج أو أجن أعود لتنفيذ تلك المشيئة.
عدت اليوم إلى المنزل الذي ولدت فيه وشهد بداية طفولتي وكل تلك الأحداث المؤلمة، وذلك بعد مسيرة طويلة من التنقل بين المنازل. تزوجت منذ عشر سنوات، وأعيش مع عائلتي في ذات المنزل منذ خمس سنوات، ولا يزال الأشخاص والجيران الذين كانوا حاضرين في تلك الأحداث بجانبي حتى اليوم.
عمي وزوجته اللعينة ما زالا على قيد الحياة يعيشان بجانبي، تلك زوجته الشريرة في بداية طفولتي، تبدو في هذه الأيام واعية ومسالمة، وذلك ابن عمي اللعين الذي طعن والدتي بالسكين أمام عيني وحرف جزءًا كبيرًا من وعيي، وجعلني في حالة صدمة أخذتني في المرض لسنوات طويلة من حياتي. لحيما وعيت كيف أتصرف مع هذا المرض الذي تطور لدي، لم أره يومًا منذ ذلك الحدث فيما يقارب 23 عامًا، ولا أريد رؤيته مجددًا.
أوضح أن صدمات لدى طفل قد تجعله مريضًا مزمنًا بتشخيص اضطرابات نفسية حادة؛ فالطفل الذي يخرج من ذلك الألم ويبدأ مسيرته في الوعي استنادًا لأصل طفولة قاسٍ وضغط متواصل وصدمات قاسية، دون توجيه جيد، سيكون مريض المستقبل، وليس بالضرورة أن يكون متهيئا للمرض أو أن يكون لديه عامل وراثي، فلو أنه تلقى طفولة مستقرة ولم يجرب هذا وكان لديه توجيه وإرشاد جيد لما أصبح مريضًا من الأصل. كل شيء سيئ في الطفولة يسطر مستقبل مريض نفسي وعقلي مزمن، دون وجود أي عامل وراثي أو طبيعي حتى.
في الختام، لم يعد شيء من ذلك يهم في هذه الأيام، سوى حقيقة أنني أعاني من مرض نفسي واختلال في كيمياء عقلي نتيجة الأدوية النفسية والصدمات، وأيضاً بسبب توجيه خاطئ لتهيئة وعي طفل في العقل الباطن دون إرشاد واعٍ سليم. هذا الشكل المريض أصبح جزءاً مني وسيبقى حتى آخر يوم في حياتي. بعد أن عبثت الأدوية النفسية بكيمياء دماغي، لن تعود حالتي طبيعية دون دواء، ولن أستطيع التحول إلى شخص مختلف. سأبقى ذلك الشخص الذي استطعت تكوينه في هذه الأيام بمساعدة الأدوية، ولن يوجد إنسان آخر غير إنساني وعقلي ونفسيتي التي أمتلكها اليوم.
لم أعد أرغب في شيء من الماضي، ولم يعد يستهويني، فقد تصالحت معه وبدأت أدرك أن كل إنسان مقدر له مسار حياته وماضيه. لا أشعر أنني كنت ضحية، بل أرى أن أي إنسان في هذا العالم قد يكون ضحية، ولا يجعلني كون ضحية شخصًا عظيمًا؛ فالأطفال جميعًا عرضة لذلك في هذا العالم الصعب. على أي حال، أنا فخور بمساري في الحياة، رغم قسوة طفولتي، وفخور بنفسي وبالوعي الذي أمتلكه الآن. أتمنى أن أحافظ على حياة كريمة لأطفالي وأجنبهم مرارة طفولتي القاسية، وما زلت موجودًا معهم وقادرًا على ذلك.
![]()

