بين طغيان الاضطراب وسلام العلاج: رحلة مواجهة الذات وقسوة التجارب
لطالما ارتكبت أفعالاً خطيرة في حياتي في الضفة الغربية، أفعالاً لا أرتكبها وأنا مستيقظ في حالة استقرار علاجي، أفعالاً أتذكرها جيداً في هذه الأيام، ولا أنساها أبداً. الجرأة وعدم الخوف في تلك الأحداث كانا بشكل لا يختلف عن إنسان سلم نفسه للموت والانتحار، ولا يكترث بالتوابع ونتيجة أفعاله، إنسان كان يتوقع كل ما هو سيئ وشرير. كانت حالتي العقلية تضطرب بشكل غير طبيعي، وتوجهني لأفعال وسلوكيات وأماكن خطيرة.
في واقع الأمر، في ظل استقراري العلاجي، أحظى بعقل صافٍ وطبيعي، وأتمتع بقدرات عقلي بشكل طبيعي، وتضمحل العديد من أعراض المرض لدي، وأعود لرشدي، وأستطيع تنظيم حياتي بشكل طبيعي، أكون ثابتاً ومستقراً، ولا أقدم على أي أفعال أو سلوكيات خطيرة، أعود لإنساني الطبيعي الواعي اليقظ، ويعم حياتي السلام، وسلامي الداخلي يصبح بحالة جيدة.
إلا أنني لو عدت وتوقفت عن العلاج، بعد فترة قصيرة تعود وتضطرب حركتي العقلية، حتى لو كنت أتذكر وأشعر بالندم على أحداث الماضي، فأنا لا أنساها، لكن حينما تبدأ الحرب في الداخل وضجيج عقلي، لا أعود أكترث من جديد لسلوكياتي وأفعالي، لا أستطيع ضبط نفسي والاستقرار والامتناع عن تلك السلوكيات، ففي عقلي يصبح كل شيء مضطرباً ومن حولي أيضاً.
تلك الأحداث والسلوكيات الخطيرة التي كنت أرتكبها في الشوارع والأماكن العامة مع وجود خطر من عامة الناس، وقرب ثكنات جيش الدفاع الإسرائيلي، وحواجز حرس الحدود الإسرائيلي، وبالقرب من أماكن الشرطة وأجهزة الأمن الفلسطينية، والذهاب لأماكن قريبة من المستوطنين المتطرفين. كانت العديد من الأحداث الجنونية والصاخبة هناك في تلك الأيام المظلمة.
لقد أبدت القوات الإسرائيلية في الكثير من الأحيان التعاطف الإنساني معي، وقد كانوا يطلقون سراحي، ويطلبون عودتي للمنزل، وفي بعض الأحيان يتصلون بعائلتي لتعيدني للمنزل. حتى أنني حينما كنت أحتجز مؤقتاً لديهم لبضع ساعات، في التحقيق لا يجرون تسجيل أوراق وبصمات لي بخلاف المحتجزين الآخرين، ولم يعتدوا علي نهائياً. كأنهم يعرفون شيئاً ما عني، يفهمون وضعي، وطبيعة حركتي العقلية المضطربة.
أما أجهزة الأمن الفلسطينية بأنواعها، ففي القليل من الأحيان كانوا يتفهمون وضعي. كانوا يهينون مشاعري، ويسكبون زجاجات الكحول الخاصة بي بالكامل، وضربوني وعروني في قسم مكافحة المخدرات في مدينة الخليل، وفي كمين مدينة حلحول شمال الخليل طرحوني أرضاً، في ساحة المهد ببيت لحم، تلقيت صفعات قوية على ظهري ورأسي وعنقي.
احتجزوني في مركز شرطة بيت جالا في بيت لحم لطلوع الصباح، في تحقيق مستمر ومنهك، وتعدي على خصوصية هاتفي الذكي بالكامل، لطالما تصرفت أجهزة الأمن الفلسطينية، والناس عامةً من الفلسطينيين بشكل سيئ معي، الفلسطينيون تركوا ندبة أسفل إحدى عيني البريئتين، وأشبعوني ضرباً عنيفاً.
لا غفرت لهم الأرواح العليا أبداً، ولا يقتصر كرهي لهم على ما اقترفوه بحقي فحسب؛ فأنا أعرف حقيقتهم قبل أن يسيئوا إلي حتى. لقد أدركت جوهرهم من خلال تجاربي الطويلة معهم، واستشعر قلبي وعقلي سوء نفوسهم وعقولهم منذ زمن بعيد.
لربما علي الالتزام بعلاجي والتمسك به؛ كي لا أسمح للماضي القاسي بأن يعود ويؤذيني مجدداً. علي فعل ذلك تقديراً وحباً لعقلي وروحي وشخصي، وحفاظاً على أماني وأمان من أحب. فمن الظلم أن أترك عقلي يغرق في الاضطراب ويؤذي نفسه ومن حولي، لذا لن أفكر مجدداً في التوقف عن علاجي.
اللعنة لكل من آذاني، وجزيل الشكر وفائق الاحترام لكل من تعامل مع حالتي بحكمة ووعي وإنسانية، وهذا يبين مدى التباين بين نفوس الأخيار والأشرار.
![]()



إرسال التعليق