لم أشعر يومًا بالكراهية تجاه اليهود؛ فمنذ طفولتي نظرت إليهم كبشر، وآمنت بإمكانية الصداقة بيننا. وبصفتي مواطنًا فلسطينيًا، لم ألتفت لخطابات الكراهية التي يلقنها أبناء شعبي منذ الصغر.
شعرت أن كل هذه التعاليم وخطابات الكراهية لا أهمية لها، فهناك خطأ ما فيها، وأنه ليس بالضرورة أن نكون أعداء، يمكننا أن نكون أصدقاء؛ كذلك طبيعة حياتي، كنت شديد التردد والإقامة داخل الأراضي الإسرائيلية، حتى أنني كنت في الكثير من الأحيان أحصل على أصدقاء يهود في عمري، نلعب مع بعضنا البعض في أوقات الطفولة.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
كنت أراقب حياة اليهود الطبيعية بعيداً عن واقعي في الضفة الغربية، حيث لم أكن أرى من الدولة الإسرائيلية سوى دوريات الجيش، وحرس الحدود، والشرطة، والأبراج العسكرية، والحواجز المنتشرة في كل مكان في حياتي بالضفة الغربية.
من الغريب أنني منذ طفولتي لم أتأثر بالتعاليم وخطابات الكراهية الموجهة ضد اليهود، ولم أكن أقتنع بالروايات الشائعة في محيطي بأنهم يرتكبون الجرائم ويسفكون الدماء دون سبب، أو أنهم يقتلون لمجرد الحقد والعنصرية تجاه الفلسطينيين، فقد كنت أدرك حينها أن هناك خطأً في هذا التصور، وأنه لا بد من وجود أسباب أمنية أو دفاعية أخرى وراء أفعالهم.
كانت حياة اليهود داخل إسرائيل تثير إعجابي وتشعرني بالود؛ فكلما قارنت واقعهم بحياتي في الضفة الغربية، كنت أرى فيهم بشراً طيبين، وعائلاتٍ طبيعية، وفتياتٍ جميلات، وأجواءً أليفة كتربية الكلاب، وتفاصيل أخرى تختلف تماماً عما أعيشه. لقد بدا لي هؤلاء الأشخاص محبين للحياة، وإنسانيين، وطيبي الطباع، لدرجة أنني كنت أرى حياتهم أجمل بكثير من حياتي برمتها في الضفة الغربية.
منذ 27 عامًا، حين توفي والدي ولم أكن قد تجاوزت الخامسة من عمري، كان لوالدتي أقرباء داخل الأراضي الإسرائيلية. ومن خلالهم، بدأت العمل في تنظيف المنازل هناك، وكانت دائمًا تصطحبني معها لإعالتنا، أنا وإخوتي الأربعة؛ إذ لم يكن لدينا أي مصدر دخل آخر. من تلك المرحلة بدأت أعيش حياتي هناك، وقد حرصت والدتي على ألا تعلمنا يومًا أي كراهية أو عدائية، كما لم يوجهني أحد خاص في هذا السياق.
لم أكن مستعداً للانتماء لأي طائفة قائمة على الكراهية، بل كنت أتوق للبحث عن الحب والحياة وكل ما هو إيجابي. سعيت جاهداً لإيجاد معان سامية في حياة اليهود، بعيداً عن خطابات الكراهية. حتى نظراً لكوني مواطناً فلسطينياً ولد في الضفة الغربية، فقد كانت تلك الأفكار بعيدة كل البعد عن واقعي وتصوري. كنت أدرك دائماً أن هناك خطأً ما، وأن جوهر الحياة يجب أن يرتكز على السلام والخير والمحبة، فآمنت بأنني لست مضطراً لكره أحد.
في الختام، كنت في الأصل إنسانًا بريئًا كالملاك، ولم أكن مستعدًا لأمتلئ بالكراهية. كان في روحي وقلبي نبض بالحب تجاه حياتي مع الشعب اليهودي، وبغض النظر عن كل الظروف المعاكسة، أحببت حياتهم ونظرت إليهم بعاطفة إنسانية نقية من الكراهية. رأيتهم بشرًا محبين مفعمين بالحياة، وأعجبت بأسلوب عيشهم أكثر من حياتي البائسة في الضفة الغربية.
رغم انتشار الكراهية والعنصرية والحقد، لا يزال هناك بصيص أمل؛ إذ يمكننا التصالح والتعايش بسلام من أجل حياة أفضل للجميع في هذا الوطن. فالحب والخير هما أساس السلام الداخلي والخارجي، بينما لا تجلب الكراهية سوى الفرقة وغياب الاستقرار.
![]()

