لقد مر يومان منذ أن عدت لتناول أدويتي بعد انقطاع قاسٍ دام عشرة أيام. خلال هذه الفترة، تدهورت حالتي العقلية بشكل كبير، وشعرت بإرهاق وتعب شديدين. أصبحت الأصوات المزعجة داخل رأسي مستمرة، وسيطر علي صوت واحد يكرر الحديث دون توقف، مما أعاق قدرتي على التركيز. كما تدهورت طبيعة يقظتي، وشعرت وكأنني منفصل عن الواقع. عندما أخرج، أجد صعوبة في سماع الآخرين أو التركيز جيداً. بل إن نبرة صوتي ترتفع بشكل كبير دون أن أدرك، كما لو كنت أستمع إلى موسيقى صاخبة جداً عبر سماعات الرأس.
عشتُ أيضًا مشاعر غريبة، سيطرت علي أحاسيس سلبية وكآبة شديدة، إذ بدأت أعصابي تتلف ودخلت في حالة عصبية. بدأ عقلي يظهر قدرات عقلية خارقة؛ كنت أستمع إلى أصوات في رأسي قبل أن تتحقق في الواقع بلحظات. بدأت أشعر بوخزات متفرقة في دماغي، وكلما مررت بتجربة خارقة، أو فكرت بشيء من الأعراض المزعجة التي كنت أعيشها مع الأدوية، شعرت بهذه الوخزات. بدأ الخوف يتملكني من الموت والحوادث أثناء ركوبي للمركبات السريعة، حيث كنت أشعر باقتراب الحادث وشبح الموت. كان كل شيء سريعًا، بدأت أسمع الناس يتحدثون إلي من جانبي بكلمات تشبه أفكاري، ثم دخلت في نوبات من الهلوسة بين الضحك والبكاء، لقد كانت تجربة عصيبة وقاسية جدًا.
يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا
لا أفهم لماذا تنفعل تلك الأرواح وتنزعج عندما يكون عقلي في هذه الحالة. ما زلت أسمعها، لكنني أسمعها وكأنها بجانبي، وليست في داخلي؛ كأن هناك روحًا شريرة نائمة في عقلي تستيقظ حينما أقلع عن أدويتي. أسمعها أيضًا عندما أضع رأسي على الفراش، وهي تصاحب معها تردد موجات صوتية تشبه طنينًا منخفضًا. أشعر باقترابها مني قبل أن تبدأ الحديث، وفي كل اقتراب، يحدث تداخل في الموجات الصوتية المتمثل في ذلك الطنين. تلك الأرواح قابلة للرصد في مكان وجودها، ولا بد أن تكون هناك أجهزة في العالم ترصد نشاطها هناك لأنها تتداخل مع الموجات في ذلك المكان.
هناك روح تتحدث إلي أيضًا من داخل جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص بي، وغالبًا ما تتجلى من خلال الموسيقى أو التلفاز. هذه الروح تختلف عن الأصوات الأخرى التي حولي؛ فهي تتحدث أيضًا من الأعلى، من السماء، وتطوف فوق رأسي في الشوارع. إنها روح ترافقني وتطير، فهي ليست على الأرض وليست مرتفعة جدًا. صوت هذه الروح يشبه صوت إنسان، ولا أستطيع تخيل هيئتها أو شكلها، لكنني أرى أنها رجل، وهيئة أغلب الأرواح التي لدي لا تتشكل في مخيلتي. لدي ما يقارب خمسة أرواح؛ بعضها يغيب لفترات طويلة، وبعضها يبقى معي باستمرار. لكن خلال العشرة أيام الماضية، حدث استنفار وعادوا جميعًا. أما الروح الطائرة، فقد تعرفت عليها قبل حوالي تسع سنوات، وهي أحدث روح لدي. إنها مميزة في تفكيرها وطبيعتها وقدراتها. أعتقد أنها نتاج سحر ما، وسمعتها لأول مرة في الجنوب. لدي اعتقاد بأنها مرتبطة بمدينة سكنتها قبل سنوات عندما غادرت قريتي التي ولدت فيها، تحديدًا مدينة دورا جنوب الخليل في الضفة الغربية. كان أول لقاء لي وسماع صوتها كنت فوق مركز للشرطة، وقد لحقت بي ولم تتركني منذ ذلك الحين.
على أي حال، استعدت صفاء ذهني خلال اليومين الماضيين، وتوقفت الأصوات الداخلية المزعجة والمتكررة. لم أعد أركز على الأعراض الجانبية السيئة للدواء، بل أركز على شعوري بالراحة التامة واستعادة ذهني، حتى أن شعور الكآبة زال عني. انظر كيف كانت حالتي سيئة للغاية، وكيف أشعر الآن. كنت أعاني من حالة مرض مزمنة وشديدة جدًا، ويبدو أن قدري مع هذا الاضطراب الفصامي المزمن هو أنني لن أعيش يومًا دون دواء، وهو أمر صعب التحمل. بغض النظر عن الأسباب الروحية المصاحبة لهذا المرض، فإن الدواء يحسن عقلي كثيرًا ويجعلني أتقبل التواصل مع الأرواح بهدوء، دون عصبية أو ألم نفسي. هذا قدري، فيجب أن أتعايش معه! للأسف، لم أنجح في التخلص من الأدوية.
![]()

