لستُ مريضاً بالعالم.. بل مريضٌ بسببه: عن ذاتٍ لم تلد عليلة، وعالمٍ أفسد الكيمياء

طوال حياتي، كانت الحياة قاسية ومريضة علي أكثر مما ينبغي. لم أكن مجرد شخص يعاني في ظل ظروف هادئة، بل كان العالم يواجهني بقسوة من كل جانب. كانت حياتي معقدة ومليئة بالتحديات والظروف الصعبة التي أرهقت نفسي وعقلي.

لست متأكداً ما إذا كنت مريضاً أصلاً، أم أن قسوة هذا العالم علي منذ بدايتي جعلتني أُهيأ لأكون ممتلئاً بالمرض. بالنظر إلى عقلي الحالي، أشكك في أنني ولدت مريضاً في الأساس. يبقى المرض منفصلاً عني؛ فأنا مريض من ناحية، وعقلي واعٍ وسليم من ناحية أخرى.

يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا


أنا لست مريضًا بشكلٍ كلي، بل إن لدي جزءًا مريضًا منفصلًا يخوض صراعًا مستمرًا معي. هذا الصراع قد يسبب لي التيه والضياع، وقد يجعل الآخرين يرونني مريضًا حقًا. في جوهره، أنا أمتلك مقومات شخص سليم نفسيًا وعقليًا، لكن مرضًا جانبيًا يهاجمني باستمرار.


في طبيعة هذا المرض؛ عقلي ونفسي يمران بحالة مرضية، ويواجهان تحديات وأعراضًا مرضية حادة. ومع ذلك، فإن الجزء الواعي والسليم مني يظل مسيطرًا، ويدرك أن عقله ونفسه يمران بمرحلة مرض في الوقت ذاته.

أحيانًا، أتأثر بشدة وأضطرب نتيجة لشدة الجانب المرضي في داخلي، مما قد يظهر سلوكًا مرضيًا يطغى على حالتي النفسية والعقلية الطبيعية. في بعض اللحظات، أتعب وأتصرف وفقًا للمرض، حيث يؤثر بشدة على نفسي وعقلي، ويكاد يكون من المستحيل علي الثبات أو الاحتمال أو الظهور بحالة جيدة في بعض الأوقات.

قد يكون هذا العالم أو مجمل حياتي هو المسبب والمطور لهذا المرض ذاته؛ فالإنسان كائن حساس ويتأثر بطبعه وعاطفي وليس آلة. لذلك، يحتاج إلى ظروف صحية محددة أثناء نموه كي لا يمرض، وقد يصاب بأمراض نفسية وعقلية ويدخل في دوامة روحه الخاصة نتيجة ضغوط وتراكمات ظروف الحياة التي تثقل كاهله وهو لا يزال في طور النمو.

انطلاقاً من سلامتي النفسية وقدراتي العقلية واتزاني الداخلي، أرى أنني لم أولد مريضاً بطبيعتي أو بتكوين وراثي. بل أرى أن العالم الذي عايشته هو الذي دفعني للغرق في المرض بعمق، مما مكن المرض مني وجعله جزءاً من كياني وعقلي وشخصيتي في هذه الحياة. فأنا لست مريض العالم بل أنا مريض بسبب هذا العالم.

حالة الكيمياء العقلية لدي سيئة للغاية، وقد ساءت بشكل ملحوظ بعد تناولي للأدوية النفسية، فلم تكن بهذا السوء قبل تعاطيها. وفي حال انقطاعي عن هذه الأدوية، تضطرب الكيمياء لدي بشدة، وتظهر حالات وأعراض عقلية مزمنة، مما يوحي بأن تكوين عقلي مضطرب ومريض.

في واقع الأمر، كانت كيمياء عقلي جيدة طوال حياتي؛ فقد كانت مقبولة، وقادرة على النجاة والتأقلم وإيجاد الظروف الملائمة لحياة طبيعية، وذلك بتوفر التوجيه والوعي اللازمين. ورغم أنني مررت بمرض وشدة صدمات وظروف قاسية، إلا أن عقلي كان كفيلاً بالحفاظ على سلامته بشكل جيد، لأنه بطبعه مخلوق طبيعي.

لا يمكنني التوقف عن تناول أدويتي النفسية الآن للحكم على حالتي العقلية، فالتوقف سيؤدي بالتأكيد إلى اضطراب عقلي شديد. هذا الاضطراب لن يكون ناتجًا عن حالتي الأصلية، بل سيكون بسبب تأثير التلوث والاعتياد والانسحاب المصاحب لهذه الأدوية. بما أنني استخدمت هذه الأدوية لسنوات طويلة، فمن الصعب والمعقد استعادة حالتي العقلية الطبيعية الأصلية.

من دواعي سروري في ظل وعيي الحالي أن أتخلص من هذه الأدوية بشكل كامل وآمن، وأن أعتمد على عقلي؛ ستكون تجربة رائعة، لكنها أصبحت مستحيلة. لا مجال للخروج من هذه الدوامة بعد تعاطيها، ولا يمكنني البدء بمسار التخلص منها أبدًا، فالأمر معقد وقد يكون مستحيلاً من الأصل.

لم يعد هناك ما يهم، ولا أرغب في إثبات أي شيء لنفسي، ولا أحتاج إلى مزيد من المعاناة؛ فكل هذا لا قيمة له في الأصل. إنها حياة بائسة، وحتى لو واصلتها بتلك الأدوية النفسية، فالأهم هو نيل الراحة وإيجاد السعادة والمتعة في هذه الحياة اللعينة. فكلها أقدار محتومة، لكن الجيد أنني أدرك قيمة نفسي وعقلي جيدًا رغم كل هذا، وأعلم أنني أستحق تقدير ذاتي وعقلي على أكمل وجه، دون أن يعكر صفوي الشعور بالشوائب. من الجيد أن ندرك حقيقة أنفسنا وعقولنا، ونحدد مكانتنا الحقيقية في الحياة، حتى لا نظل في موضع لا نستطيع فيه تحديد ذلك.

Loading

إذا كنت تحب ما أكتبه وترغب في دعم عملي، فيمكنك المساهمة من خلال النقر هنا

By أبو آرام الحقيقة

أنا أكتب الحقيقة.. بداية من كل شيء نهاية لكل شيء يحدث.. وأكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *