بين نكسة المرض وقسوة المكان: رحلة الألم في مستشفى بيت لحم للطب النفسي

لطالما انتابتني رهبة من دخول المصحة العقلية، فلم أدخلها يوماً في حالةٍ طبيعية؛ ففي كل مرةٍ كنت أقاد إليها كنت في نكسةٍ نفسيةٍ حادة، مجبراً وتحت تأثير السكر، ليتم تخديري بالكامل، فأغيب عن الوعي في ثوانٍ، لأجد نفسي في الصباح بين أروقة المصحة مصدوماً، أتساءل: ما الذي أتي بي إلى هنا؟

كنت في يومي الأول، تراودني فكرة الهروب من هذا المكان، بل قضيت كل أيامي هناك أبحث عن ثغرة للفرار. حاولت الهرب مرارًا، ونجحت بالفعل في تنفيذ خططي عدة مرات. لم تكن تستهويني الأدوية التي يجبرونني على تناولها؛ إذ كنت أعاني بسببها من النعاس الشديد والإمساك المزمن.

يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا


قديمًا، كانت الأدوية تؤثر سلبًا على حالتي بدلًا من شفائي، وتدخلني في حالات نفسية وعقلية فصاميه، وفي بداية رحلة العلاج كنت أعاني من تشنجات وشعور عصبي مزعج في ساقي، متمثلًا في تنميل حاد يمنعني من الجلوس بهدوء، وكان ذلك مؤلمًا للغاية. أما في السنوات اللاحقة، فقد تلاشت هذه الأعراض تمامًا، وكأن جسدي قد تأقلم مع هذه الأدوية النفسية.

على الرغم من كراهيتي لتلك المصحة، لا يسعني إنكار فوائد دخولي إليها؛ فبعد خروجي تستقر حالتي لسنوات وتعود حياتي طبيعية. لم يقدموا لي العلاج بناءً على تشخيص نفسي دقيق، ولأنني كنت أرفض التجاوب معهم ولم أفصح يوماً عما يجري في داخلي، كانوا يعتمدون في تقييم حالتي على ما يجمعونه من بيانات من خلال العائلة.

على الرغم من عدم التوصل إلى تشخيص دقيق لاضطراباتي، إلا أن الأدوية الثلاثة التي يعطوني أياها أثبتت فعاليتها في تحسين حالتي النفسية والعقلية؛ فهي أدوية شاملة تعالج طيفاً واسعاً من الاضطرابات.

لم يخضعني الأطباء يومًا لصدمات كهربائية خلال فترات دخولي المتكررة للمصحة، ولم يقترحوا علي العلاج بالحقن؛ وذلك لسرعة استجابتي للأدوية. كما يدركون من خلال حواراتنا أنني أتمتع بجانب واعٍ وذكي للغاية، فهم يعلمون أن هناك جزءًا مني ليس مريضًا على الإطلاق، بل يمتلك عقلًا يضاهي بل ويتفوق على عقول الأشخاص الأصحاء. أنا واعٍ تمامًا بكل تفاصيل حالتي المرضية، ورغم إصابتي بفصام حاد، إلا أنني مدرك تمامًا لمرضي.

أرجح أن اضطرابي الأساسي هو الفصام؛ إذ تتوفر لدي كافة المعايير التشخيصية لهذا المرض، فضلاً عن وجود اضطرابات نفسية متفرعة تشمل بعض أعراض ثنائي القطب، والاكتئاب، والوسواس القهري، والرهاب الاجتماعي. كما أجد لدي سمات تشبه إلى حد كبير اضطراب الشخصية المسرحية، بالإضافة إلى نوبات من جنون العظمة والارتياب، وأعزو كل هذه الاضطرابات إلى إصابتي بالفصام.

لنعد إلى تلك المصحة المسمى: “مستشفى بيت لحم للطب النفسي“، الواقع في مدينة بيت لحم؛ فهو مكان يفتقر إلى الرعاية والمهنية، والقائمون عليه لا يتحلون بالكفاءة أو المسؤولية المطلوبة، كما أن هذه المؤسسة، كغيرها من مؤسسات السلطة الفلسطينية، تعاني من خلل إداري وفساد متجذر.

الوضع هناك مزرٍ للغاية من جوانب عدة؛ فأطباء الدواء يسعون للتخلص من المرضى بأسرع وقت ممكن، كما تعاني المصحة من قصور في الخدمات الأساسية كالنظافة وجودة الطعام. فضلاً عن ذلك، يتم خلط جميع الحالات مع بعضها البعض في بيئة تفتقر للرعاية، حيث يُحرم المرضى من أبسط حقوقهم، ولا يُسمح لهم سوى بسيجارة واحدة كل ساعة. ناهيك عن سرقة مقتنيات المرضى من قبل الطاقم الطبي، وانتشار العنف بين النزلاء دون أي تدخل، ووجود مرضى مسنين يفتقرون للرعاية الشخصية يقضون حاجتهم في كل مكان؛ إنها حقًا حالة يرثى لها، فما الذي قد يدفعني للذهاب إلى هناك؟

لم أكن أجد الصابون ولا ورق التواليت، كما توقفت عن ممارسة الجنس أو العادة السرية طوال شهر كامل؛ فقد كنت قلقاً على صحتي الجنسية، حيث ألغت حالتي النفسية أي تفكير جنسي.

تعد هذه المصحة الوحيدة من نوعها في الضفة الغربية بالأراضي الفلسطينية، وهي تابعة للقطاع الحكومي وليست خاصة. لم أزر أي مصحة أخرى، وكأنها المؤسسة الوحيدة المتاحة؛ إذ إن العلاج والطعام والإقامة فيها مجانية بالكامل، لهذا أمي سعيدة بذلك.

ختامًا، لا أرغب في العودة إلى تلك المصحة ما حييت، بل لا أود حتى رؤيتها. وليخجل القائمون على إدارتها من أنفسهم؛ فتلك عقول ونفوس سيئة. ومع أن مكوثي هناك قد يكون ضرورةً علاجية، إلا أنه تجربة قاسية وظالمة للغاية. لقد التزمت بأدويتي لما يقارب الأربعة أشهر، لذا لا أعتقد أنني سأحتاج للعودة إلى ذلك المكان مجددًا، وآمل ألا أضطر لذلك أبدًا.

Loading

إذا كنت تحب ما أكتبه وترغب في دعم عملي، فيمكنك المساهمة من خلال النقر هنا

By أبو آرام الحقيقة

أنا أكتب الحقيقة.. بداية من كل شيء نهاية لكل شيء يحدث.. وأكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *