العبور من ضباب الذهان: رحلتي في استعادة الذات، كسر الصمت، ومعجزة التشافي

في القديم كنت في حالات الفصام، إدراكاتي العقلية غير منطقية ومنتظمة ومترابطة، وكانت تغمرني الأوهام، لم أكن بدرجة وعي لأحدد أنني أفكر بشكل خاطئ. كانت كيمياء المخ لدي في حالة اضطراب دون أن أعي أنه من الممكن أنني لا يجب أن أكون هكذا. كنت أظن أن كل شيء من مشاعر وأعراض وذهان وهلوسات حتمية يجب علي التعايش معها.

لم أكن أتصور أنني سأتخلص من هذا الوضع، ولم أثق بأن الالتزام المنتظم بالدواء سيغير مجرى الأمور بهذه الدرجة. كانت الأفكار الروحية، والاعتقاد بأن كل ما يحدث حقيقي وليس ناتجًا عن اضطراب عقلي، تطغى على تفكيري. كنت أعيش في ضجيج ذهني شديد؛ فلم أكن أستطيع الاستلقاء على وسادتي بهدوء دون أن يرافقني حديث داخلي وأصوات وهلاوس بشكل يومي.

يمكنك متابعة آخر كتاباتي على الفيسبوك من خلال النقر هنا


كنت أعمل وأنا أستمع للأصوات تحدثني، وأُبقي تركيزي على عملي، في ظل وجودها الدائم؛ بضعة أصوات في كل مكان وداخل رأسي. لم أعد أشعر بالأسى إزاء ذلك، فمع مرور الكثير من الزمن وأنا أعيش مع هذا، بدأت أدرك أنني يجب أن أعيش مع هذا. كنت أكذب على الجميع حينما يسألونني عن حالي، خصوصًا والدتي وزوجتي اللذين يعرفان ماضي مرضي هذا، كنت أقول لهم: أنا بصحة جيدة، وعلاجي الحالي جيد.


في الواقع، بدأت أختبر أسوأ وأقسى أعراض الفصام وأكثرها حداثة علي منذ دخولي في العشرينيات. لم أحظ خلال حوالي 13 عامًا بفترة علاج كافية أو فعالة لاستعادتي إلى طبيعتي وصفاء ذهني؛ فقد قضيت غالبية هذه السنوات بوجود جزء مريض جدًا مني. عشت صراعًا مستمرًا مع المرض، وكنت أتناول دواءً واحدًا في معظم الأوقات، وهو مجرد جرعة صغيرة من مضادات الذهان القديمة مثل الكيوتيابين، بهدف المساعدة على النوم فقط. لطالما رفضت العلاج المنتظم طوال حياتي، ولم أتلقه إلا لفترات قصيرة لا تتجاوز بضعة أشهر.

في الماضي، كانت أفكاري غير منطقية، وكانت تفسر بشكل أساسي على أنها أوهام وغير حقيقية، مصحوبة بشعور بجنون العظمة وأعراض ارتياب، وأحيانًا بمشاعر فصام تتراوح بين المتوسطة والقوية. كنت أشعر أن ما أملكه شيء يجب تقديسه، كأنه روح إلهية، وأدعوه بالمعلم والمبجل والعظيم. كنت أظن كذلك أنني طفل مقدس منذ ولادتي، أشبه بمُختار وموضع عظمة واحترام كرسول.

كانت هذه الأفكار الجامحة تهاجمني باستمرار، لتتسلل إلى جزء من ذهني. لطالما دونت تلك الأفكار غير المألوفة واللامنطقية، ولقد تسبب سلوكي في أن ينظر إلي الآخرون كشخص مريض أو أن يسخروا من أفكاري وأحاديثي. ولم أكن أمتلك الموهبة الكافية للكتابة والتعبير عن خواطري كما أصبحت في السنوات اللاحقة.

في حقيقتي، عندما يصفو ذهني وأشعر بالراحة والهدوء، ويزول عني الضغط النفسي والعصبي المتواصل، أتجلى بشخصيتي الحقيقية الجوهرية، التي تتوافق مع مبادئي وأخلاقي وعقلي، وتمنحني الثقة والسلام والأمان وتقييمًا جيدًا للذات، وهي تختلف عن تلك الشخصية المريضة.

قد يغير ذلك المرض جوهر شخصيتك ويجعلك شخصًا مختلفًا؛ إذ قد يدفعك للاهتمام بأمور تبدو لك متوافقة، بينما هي في الحقيقة لا تناسبك أبدًا، وتسبب لك العار وتوابعه، أو قد تكون خطيرة ومؤذية لك وللآخرين. على سبيل المثال، الأفكار التحرشية التي ذكرتها في كتاباتي، مثل الإقدام على التحرش بجارتي المتزوجة أثناء نوبة فصام حادة ومزامنة ذلك مع الإفراط في شرب الكحول، لم تحدث قط ولم أقم بها في حياتي إلا خلال هذه الفترة المرضية العصيبة؛ لأن ذلك يتعارض تمامًا مع شخصيتي الحقيقية ومبادئي وأخلاقي.

هذا ما يمكن لهذا المرض أن يفعله بك، وقد يصل تأثيره إلى مستوى يجعلك في أدنى درجات الانحدار، دون أن يدرك أحد أنك تعاني من مرض أصلاً. في مثل هذه الحالات، قد تضيع هباءً، رغم أن الأمر ليس بيدك، فأنت تقوم بتصرفات دون وعي منك، وبشكل يتجاوز طبيعتك الحقيقية وروحك وعقلك السليم، لأن عقلك في تلك اللحظة يكون مريضًا.

على أي حال، كنت أنا المشكلة أيضًا؛ لأنني لم أكن أعي ضرورة تلقي العلاج، ولم أرغب في إخبار أحد أو طلب المساعدة. أما الآخرون، فكانوا يتجاهلون حالتي طالما كنت هادئًا ولا أسبب مشكلات، ولا يتدخلون لإنقاذي للعلاج إلا عندما أقع في المشاكل وأبدأ بإحداث اضطراب. وكنت أتلقى العلاج فقط عند تسببي في المشاكل والاضطراب. لقد مررت بالعديد من النكسات النفسية وبلغ الجنون ذروته بسبب الضغط النفسي والعصبي المتواصل، وكنت أنفجر في العديد من المراحل أيضًا.

إن الشفاء من هذا المرض نعمة عظيمة، فالحياة تختلف جذريًا بدونه. هذا المرض خطير جدًا على الإنسان، ومن الظلم والأذى أن يستمر المرء في التعايش معه. من دواعي السرور أنني أشعر بهذا التحسن الآن وقد وجدت علاجي، ويجب ألا أتوقف عنه أبدًا لكيلا أعود إلى واقع المرض القاسي، وما يترتب عليه من أضرار جسيمة بي وبمن حولي.

Loading

إذا كنت تحب ما أكتبه وترغب في دعم عملي، فيمكنك المساهمة من خلال النقر هنا

By أبو آرام الحقيقة

أنا أكتب الحقيقة.. بداية من كل شيء نهاية لكل شيء يحدث.. وأكثر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *